|
|
 |
الفلسطينيون في اسرائيل
وخطاب الحقوق الجماعية
مهنـّد مصطفى * السبت 16/7/2005
قراءة في رسالة الحقوقي يوسف جبارين لنيل لقب الدكتوراة- جامعة جورجتاون* المساواة الشكلية-الرسمية هي مساواة وهمية ليس باستطاعتها احداث تغيير حقيقي داخل المجتمع، أما المفهوم "التحولي" للمساواة فهو الاداة النقدية المركزية لمواجهة خطاب المساواة الشكلية المطروح من قبل اليسار الاسرائيلي حقوقيا وسياسيا*
*ملاحظة أولية: اتـّسع في العقود الاخيرة خطاب الحقوق الجماعية للاقليات الاثنية عموما، والاقليات الاصلانية على وجه الخصوص. وكتبت عشرات الابحاث والرسائل الجامعية والاكاديمية حول هذه القضية وعلاقة الحقوق الجماعية بالمساواة بين الاقلية والاغلبية. وازداد الاهتمام بخطاب الحقوق الجماعية على ضوء التراجع الذي حصل في خطاب الحقوق الفردية، وما لازمه من اخفاق في الدولة المتعددة القوميات والاثنيات، مع وجود مجموعة مهيمنة تسيطر على الموارد السياسية، الاقتصادية والثقافية بحكم هيمنتها. اهتمت المؤسسات الدولية بخطاب الحقوق الجماعية للاقليات قبل عقود من الزمن، الا انه بقي هامشيا في ظل اجواء الحرب الباردة، ومع ذلك ذكرت بعض المعاهدات الدولية مسألة الحقوق الجماعية في مواثيقها. بعد ان نصت المعاهدات السابقة كالاعلان العالمي لحقوق الانسان على الحقوق الفردية، جاءت عهود دولية تنص على الحقوق الجماعية، مثل العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) والذي تناول بشكل محدود وعام بعض الحقوق الجماعية، اذ ينص على أنه "لا يجوز في الدول التي توجد فيها اقليات اثنية او دينية او لغوية، ان يحرم الاشخاص المنتسبون الى الاقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة او المجاهرة بدينهم واقامة شعائرهم او استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الاعضاء الاخرين في جماعتهم" (المادة 27). وكذلك الامر في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)، والذي يتعرض ايضا لبعض الحقوق الجماعية. وتمثل موضوعة الحقوق الجماعية الجيل الثالث من الحقوق بعد الحقوق السياسية والمدنية التي تمثل الجيل الاول، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي تمثل الجيل الثاني.
*الملاحظات الاساسية: رسالة الدكتوراة التي قدمها د. يوسف جبارين في جامعة "جورجتاون" الامريكية المرموقة، والتي حصل من خلالها على علامة امتياز، جاءت تحت عنوان: Constitutional Protection of Minorities in Comparative Perspective: Palestinian in Israel and African-Americans in the United State.
وفي اعتقادي تستحق هذه الرسالة أن تكون اساسًا علميًا وعمليًا لصياغة خطاب حقوقي للفلسطينيين في اسرائيل يكون في مركزه خطاب الحقوق الجماعية. وذلك لما تتضمنه من طروحات وافكار تقع في مركز بلورة استراتيجية نضالية حقوقية للاقلية الفلسطينية في اسرائيل. اعترف انني عندما تسلمت رسالة الدكتوراة من زميلي د. يوسف، ورأيت عنوان الرسالة خطر ببالي ان موضوع البحث قد يكون رسالة "تقليدية" تهدف الى المقارنة بين اقليتين في اطار البحث العلمي المقارن، وذلك بهدف التعرف والمقارنة بين هاتين الاقليتين. وتبادر الى ذهني ان النقد الاساسي لهذه المقارنة قد يتعلق بمعالجتها نمطين مختلفين من الاقليات. النمط الاول، اقلية اصلانية وهي الاقلية الفلسطينية في اسرائيل، والنمط الثاني هي اقلية مهاجرة وهي الاقلية الافريقية الامريكية في الولايات المتحدة. كما ان الاطار السياسي الذي تتطور فيه الاقليتان مختلف، هناك الاطار الديموقراطي الليبرالي الامريكي، وهناك الاطار الاثنوقراطي الاسرائيلي كما اطلق عليه د. اسعد غانم ود. اورن يفتحئيل. لكن وبعد الانتهاء من قراءة الرسالة اتضحت لي اهمية هذا البحث، والمشروع الحقوقي بالنسبة للأقلية الفلسيطينية في اسرائيل، كونها تشكل الاساس لصياغة خطاب حقوقي جدي للعرب. وان الرسالة تجاوزت الاسلوب النمطي والتقليدي وقدمت رؤية جديدة واسهاما جديا نحو بلورة خطاب سياسي وحقوقي يفي بالتطلعات الجماعية للفلسطينيين في اسرائيل. وفي اعتقادي تقدم هذه الرسالة طرحا دوليًا يمكن للاقليات الاثنية-القومية الاستفادة منه في نضالها الحقوقي والسياسي. تقع الرسالة في 300 صفحة وتتضمن اربعة فصول بالاضافة الى الجزء الخاص بالتلخيص والنتائج، ويناقش الفصلان الاول والثاني من الرسالة برؤية نقدية تجربة الاقلية الافريقية الامريكية واستخدامها للآلية القضائية لنيل المساواة. ويناقش الفصلان الثالث والرابع تجربة الاقلية الفلسطينية في اسرائيل من خلال الرؤية النقدية التي عالجتها الرسالة لتجربة الاقلية الافريقية الامريكية. يعتمد البحث في معالجته النقدية لتجربة الاقليات في اسرائيل والولايات المتحدة على نظريتين نقيضتين لمفهوم المساواة، النظرية الفردانية (المساواة الشكلية) Individualist Theory والنظرية "التحوّلية" (المساواة البنيوية) Transformative Theory. وتنطلق نظرية المساواة التحولية، والتي يعتمدها ويتبناها الكاتب في نقده لمفهوم المساواة، بالقول ان اي تغيير حقيقي في حياة الناس اليومية يجب ان يكون من خلال تبني تغيير بنيوي ومؤسساتي في المجتمع يحدد من جديد الأسس المجتمعية التي ترتكز عليها النظرية "التحولية" من اجل الوصول الى المساواة الجوهرية.
وحسب هذه النظرية فان المساواة الشكلية-الرسمية هي مساواة وهمية ليس باستطاعتها احداث تغيير حقيقي داخل المجتمع. وتشكل الاجابة حول: اي من النظريتين تعتبر الاكثر نجاحا في تحقيق المساواة في الدول المتعددة الاثنيات- القوميات جوهر واساس البحث. ويشكل المفهوم "التحولي" للمساواة الاداة النقدية المركزية لمواجهة خطاب المساواة الشكلية المطروح من قبل اليسار الاسرائيلي حقوقيا وسياسيا. حيث انه من غير الممكن، كما يشير الكاتب، احداث مساواة "تحولية" في اطار رسمي يحدد اسرائيل كدولة يهودية ديموقراطية. عودة الى الملاحظة النقدية التي ذكرتها في بداية حديثي حول اختلاف تشكل الاقليتين والاطار السياسي الذي تناضل فيه الاقليتين لتحقيق المساواة، الاطار الليبرالي الامريكي والاطار الاثني الاسرائيلي. تعتمد القيم الليبرالية بالاساس على الحقوق الفردية، ومع ان نضال الاقلية الافريقية الامريكية والذي وصل ذروته في الستينيات قد نجح بتحقيق الحقوق الفردية لافراد الاقلية الا ان التدرج الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين السود، ظروف حياتهم الحقيقية، لا يزال اقل بكثير من البيض. وهكذا تتجلى المقارنة التي يقوم بها الكاتب ليس للاستفادة من تجربة نضال مثمر لأقلية في مجال المساواة والحقوق الجماعية، بل من خلال المقارنة مع نضال اقلية اخفقت في قضية المساواة الحقيقية كونها اعتمدت بالاساس على، بل وفرض عليها، خطاب الحقوق الفردية. يسعى الكاتب ان يثبت من خلال دراسته المقارنة ان يقول: ان الخطاب الحقوقي للاقلية الفلسطينية في اسرائيل يجب ان يتبنى خطاب الحقوق الجماعية، حتى لو لم يكن هذا الخطاب مقبولا على الجهاز القضائي والمؤسساتي في الدولة. بحيث يعتمد هذا الخطاب على المفهوم الاوسع للمساواة "التحولية". يشدد الكاتب على ضرورة تبنى خطاب الحقوق الجماعية في حالة الاقلية الفلسطينية الاصلانية، وحتى في حالة الاقلية الافريقية (غير الاصلانية) فيعزو الكاتب تدني الوضعية السياسية الاجتماعية والاقتصادية للأقلية الافريقية الى التشديد على خطاب الحقوق الفردية، كما تعامل معه جزء من ابناء الاقلية نفسها وكما وجهت المؤسسة القضائية الامريكية هذا الخطاب بعد حركة حقوق الانسان في امريكا. خطاب الحقوق الفردية شرعن وعقلن حالة التبعية (Subordination) للاغلبية المهيمنة. ويقدم الكاتب عددا من القضايا التي طرحت في المحكمة العليا الامريكية في العقود الاخيرة لتأكيد هذا التوجه. مثل تلك القرارات التي اعتبرت سياسة التفضيل الايجابي لصالح الاقليات كأنها غير دستورية. وتمس بمبدأ المساواة. في الفصل الثالث تستعرض الرسالة ثلاثة مواضيع، الاول: الوضعية السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية للعرب في اسرائيل مقارنة مع الاغلبية اليهودية. الثاني: مكانة العرب القانونية وتخص بالنقاش غياب الحماية الدستورية لحقوق الانسان الاساسية، خصوصا الحق في المساواة. والثالث: تعريف اسرائيل كدولة يهودية ديموقراطية، والذي جاء على حساب حقوق اساسية للمواطنين العرب. كما تتجاهل القوانين الاساسية التي سنتها الدولة في اوائل التسعينيات وبالذات قانون اساس كرامة الانسان وحريته مبدأ المساواة، وبالتالي فهي تمتنع عن اعطاء اية حماية دستورية واضحة للاقلية الفلسطينية، مستفيدا من تجربة الاقلية الافرو-امريكية. يشدد الدكتور يوسف في نهاية هذا الفصل على اهمية صياغة مشروع خطاب حقوقي شمولي حتى وان لم يكن ملائم للخطاب السائد في المحاكم الاسرائيلية. واعتقد ان الكاتب توصل الى ان الخطاب القضائي الاسرائيلي، حتى بعد سنه لقوانين اساس ليبرالية في شكلها الا انها لا تزال تشدد على الطابع اليهودي الاثني في جوهرها، ولا يمكن ان يكون اساسا جديا لخطاب حقوقي يتبناه العرب في اسرائيل في نضالهم للمساواة. تناقش الرسالة في الفصل الرابع نظرة المحكمة العليا في اسرائيل لمفهوم المساواة، والتي تنطلق، طبعا، من التعريف الاثني اليهودي للدولة، وتقدم الرسالة سبعة نماذج لقضايا مركزية تم تداولها في المحكمة العليا تتعلق بحالات تمييز ضد العرب، ومنها قضيتا قعدان والتمثيل في مجلس دائرة اراضي اسرائيل. وتناقش الرسالة هذه الحالات والتي وإن حققت نوعا من المساواة في مجال الحقوق الفردية، الا انها بقيت محصورة على نظرة ضيقة لمفهوم المساواة من خلال خطاب الحقوق المدنية الفردية، هذا الخطاب يكرس حالة التبعية المذكورة بدلا من ان يزيله. ولم تنعكس هذه "النجاحات" على الحالة الجماعية وعلى التجربة الجماعية للاقلية العربية في اسرائيل. وتتوصل الدراسة الى ان المحكمة العليا الاسرائيلية تبنت بعض عناصر النظرية الفردانية التي تتبعها المحكمة العليا الامريكية منذ اواسط السبعينيات. وتبين الدراسة ان التركيز على الحقوق الفردية يؤدي الى تقدم بسيط في بعض المجالات الا انه لا يمكن ان يحدث تغييرا شموليا في وضعية الاقلية بحيث انه يتماشى من رؤية المؤسسة الرسمية وجهازها القضائي لمفهوم المساواة (الشكلية). اعتقد ان هذا الفصل من الرسالة هو من أهم الفصول والذي لن يسمح لنا المجال هنا بالتوسع فيه وهو بحاجة بلا شك الى نقاش موسع وعميق من قبل الهيئات والمؤسسات السياسية والاهلية والحقوقية العربية، وذلك لما يحتويه من تأصيل نظري وتطبيقي لتجربة النضال القضائي في المحكمة العليا. ويتوصل الكاتب في خلاصة هذا الفصل انه لا يمكن الاعتماد فقط على النضال القضائي بدون ان يرافقه بل ويقوده نضال جماهيري شعبي وسياسي، ويؤكد ان النضال القضائي هو جانب واحد من النضال الجماهيري الواسع بحيث ان العمل القضائي يتبع له ولا يقوده. ان فرص تحقيق المساواة للفلسطينيين في اسرائيل ستضل ضئيلة طالما اعتمدت المحكمة العليا التفسير الضيق لمفهوم المساواة، وهنا يقترح د. جبارين عدم الاعتماد على المحكمة العليا كآلية وحيدة لاحداث التغيير المجتمعي المتوخى وان كانت هذه الآلية تسمح احيانا بطرح قضايا هامة على جدول الاعمال السياسي واليومي للفلسطينيين في اسرائيل.
*خلاصة:إن تجربة الاقلية الفلسطينية وتجربة الاقلية الافرو-الامريكية تؤكدان ان الحصول على المساواة الحقيقية يحتاج الى الاعتماد على الحقوق الجماعية في الخطاب الحقوقي العام. واتفق مع الكاتب ان المساواة غير ممكنة في حالة الدولة اليهودية حتى لو تم التأكيد على بعض الحقوق الجماعية في اطار اثنية الدولة وجوهرها اليهودي، وسيبقى الطابع اليهودي للدولة جدارا فاصلا امام المساواة الجوهرية. رسالة الدكتوراة التي قدمها الدكتور يوسف جبارين هي دراسة قيمة من حيث الافكار والتوجهات التي تطرحها، سواء على المستوى النظري او التطبيقي، خاصة وان الكاتب خاض شخصيا غمار النضال الحقوقي في اسرائيل قبل دراسته الاكاديمية مما اكسبه تجربة عملية على ارض الواقع. كما ان الرسالة تزخر بكم هائل من المعلومات التي تشكل اساسا معرفيا قيما لكل من يريد التعمق بخطاب الحقوق الجماعية، النضال الحقوقي للاقليات، ووضعية الفلسطينيين في اسرائيل في ظل الدولة اليهودية. وتشكل عملية المقارنة فيها تعميقا لهذه المعرفة وليس نقصا لها. كون ان المعرفة تتحقق ايضا من خلال الابحاث المقارنة والتي بدورها تساهم في وضع الاستراتيجيات النضالية والحقوقية. ولن يفي مقال ننشره هنا او مجموعة مقالات ان تلم بكل الافكار والمعلومات والطروحات التي يطرحها الكاتب بشكل عميق، وهناك حاجة لدراسة هذه الرسالة والافكار الواردة فيها بشكل منهجي ولن يتسنى ذلك من خلال المقالة الصحفية فقط. وآمل ان تكون مقالتي هذه هي البداية لهذا النقاش المطلوب.
|
|
|